التعريف بالكاتب
محمد عابد الجابري ولد سنة 1936 "بفكيك"، "بالمغرب" ، مفكر وفيلسوف عربي من "المغرب،" له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها "نقد العقل العربي" الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته "اليونسكو" لكونه أحد أكبر المتخصصين في "إبن رشد"، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار.
حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة في عام 1967 ثم دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 من كلية الآداب "بالرباط". عمل كمعلم بالابتدائي (صف أول) ثم شغل كأستاذ للفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب "بالرباط." كان عضواً بمجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية.
استطاع" محمد عابد الجابري" عبر سلسلة" نقد العقل العربي "القيام بتحليل العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي وهو مبتكر مصطلح "العقل المستقيل" وهو ذلك العقل الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى. وفي نهاية تلك السلسلة يصل المعلم إلى نتيجة مفادها أن العقل العربي بحاجة اليوم إلى إعادة الإبتكار .
حمل "الجابري" عددا من المشاريع الفكرية، صاحب صدورَها جدل ونقاش لم يتوقف حولها، فكانت "رباعية نقد العقل العربي" والتي تكونت من أربعة إصدارات رئيسية كانت باكورة أعمال "الجابري"، أعطى فيها للعقل دورا محوريا في إعادة قراءة العقل العربي.
تلك الإصدارات الأربع هي: "تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي والعقل الأخلاقي العربي"، وقد أحدثت هزة في الأوساط الفكرية العربية. وقد دفعت هذه الرباعية كاتبا سورياً مثل "جورج طرابيشي "إلى إصدار كتاب ناقد لها سماه "نقد نقد العقل العربي" يرد فيه على الجابري.
له العديد من الكتب المنشورة :
- نحن والتراث : قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي (1980)
- العصبية والدولة : معالم نظرية خلدونية في التاريخ العربي الإسلامي (1971)
كما صدرت له سلسلة مواقف.
- مدخل إلى القرآن في ثلاثة مجلدات.
- مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي.
- معرفة القرآن الحكيم أو التفسير الواضح حسب أسباب النزول : في ثلاث أجزاء
- "ابن رشد:سيرة وفكر، دراسة ونصوص"
- "حوار المشرق والمغرب(مؤلف مشارك)"(1990)
صدر له في آذار 2010، الكتاب الثالث من سلسلة "مواقف" والمعنون بـ "في غمار السياسة : فكراً وممارسة" عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت.
و قد نال" الجابري " العديد من الجوائز منها :
- جائزة بغداد للثقافة العربية اليونسكو. يونيو 1988
- الجائزة المغاربية للثقافة. تونس مايو 1999
- جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي، مؤسسة MBI تحت رعاية اليونسكو في 14-11-2005
- - جائزة ابن رشد للفكر الحر، أكتوبر/تشرين الأول 2008
كما إعتذر الجابري على جوائز عديدة منها :
- اعتذر عن جائزة المغرب مرارا.
- اعتذر سنة 2001 عن جائزة" الشارقة "التي تمنحها اليونسكو (25 ألف دولار).
- اعتذر سنة 2002 عن جائزة" العقيد القذافـي" لحقوق الإنسان (32الف دولار).
توفى المفكر الجابري يوم الاثنين 03 مايو 2010 م في "الدار البيضاء" بعد معاناة طويلة مع المرض .
التعريف بالمجلة :
مجلة المستقبل العربي هي مجلة علمية ودورية وشهرية ومحكمة، تصدر بالعربية عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. تعنى المجلة بالهموم السياسية والاقتصادية اليومية للمواطن العربي وتنشر مقالات نقدية وتحليلية واستشرافية حول قضايا التنمية والوحدة العربية والقضية الفلسطينية والعلاقات مع الغرب.
وقد تم إختيار مقال من هذه المجلة و المعنون بـ "المسألة الثقافية في الوطن العربي منذ الخمسينيات " لـ الأستاذ " محمد عابد الجابري " ، و ذلك لمحاولة تحليله من الناحية المنهجية ، من حيث مدى إلتزام كاتب المقال بخطوات و معايير كتابة مقال علمي و نشره في مجلة علمية محكمة .
التحليل :
يعتبر هذا المقال من المقالات العلمية التي تناولت بالدراسة و التحليل قضية الهوية العربية كمفهوم يندرج ضمن الثقافة السائدة في الوطن العربي ، الذي يعد من أكثر مناطق العالم التي تنتهك فيها الثقافة و الإنتماء الحضاري و الفكري و الأيديلوجي ، و لعل هذا ما خلق حاجة ملحة للبحث و الكتابة حول هذا الموضوع لدى الكاتب أو لدى العديد من الأكاديميين و المهتمين بدراسة الواقع الثقافي العربي سواء الأجانب أو العرب على حد سواء .
وقد تطرق الكاتب في بداية المقال إلى المعنى الواسع لكلمة " الثقافة " ، حيث عمد إلى إبراز أبعادها و دلالاتها المختلفة و المترامية ، إذ من خلال قراءة المقال تلمس الأهمية البالغة للثقافة كعنصر أساسي في تحديد الهوية ، خاصة منها العربية التي تشكل الغاية البحثية للكاتب في مقاله .
وعليه يتضح من خلال العنوان الذي وضعه الباحث للمقال و الموسوم بـ : " المسألة الثقافية في الوطن العربي منذ الخمسينيات " أن الباحث يريد أن يعمل على جرد واقع الثقافة العربية منذ الخمسينيات ، كما أن المتمعن في العنوان المختار يجد أن كاتب المقال قد إختار لفظ " المسألة " بدلا من لفظ " القضية " وهو بذلك إن دل على شيء فهو يدل على أن الكاتب يريد أن يتحرى أقصى درجة من الموضوعية و الحيادية في الدراسة التي قام بها ، فلفظ " قضية " يعني أن الباحث يدل على أن الباحث هنا سيتخذ موقفا أثناء الدراسة أي أنه سيتحول إلى طرف في هذه الدراسة ، و بالتالي إما أن يكون متحيزا و مدافعا عن الواقع الثقافي العربي ، أو أنه سيكون " مهاجما " شرسا للأوضاع الثقافية في القطر العربي .
و لذلك يعتبر إختيار لفظ " المسألة " إختيارا موفقا إذ أنه يضفي سمة علمية و أكاديمية تخدم الدراسة و تضعها ضمن إطارها الصحيح ، كما أنه يجنب الباحث الدخول ضمن الجدال الذي يطرحه موضوع الدراسة ، بل إن ذلك سيجعله مكلفا برسم واقع الثقافة العربية بناءاعلى معطيات و دلائل و قرائن أكاديمية ، حتى و إن عد المقال عموما هو تعبير عن أراء كاتبه و لكن ذلك لا يمكن أن يكون إلا بعد عرض مختلف الدراسات و الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع حتى و إن إختلفت زاوية المعالجة من باحث لأخر .
وقد إحترم الكاتب التسلسل المنهجي لكتابة المقال العلمي ، من حيث أنه إنتهج في البداية مقدمة عرض فيها الخطوط العريضة للبحث كما أنه وضح خلال المقدمة الغاية من دراسة المسألة الثقافية في الوطن العربي ، إذ أنه عرض في البداية المعنى العام لمفهوم الثقافة من دون تخصيصها ، فقد عرج إلى أصل الكلمة و تاريخها و المجلات المتعددة و المختلفة لإستخدامها و كيف أنها تحولت ليستدل بها بالمعنى الحديث لها ، لينتقل بعدها لعرض المعاني المختلفة لمفهوم الثقافة و مجالاتها المتعددة مستدلا على ذلك بقراءات و دراسات لعدد من الكتاب و الأكاديميين .
و كخطوة منطقية فقد إنتقل الكاتب من المعاجة العامة لمفهوم الثقافة إلى المفهوم الخاص لها ، ذلك أنه و خلال العرض فقد تناول مفهوم الثقافة العربية من زاوية " الوطنية " ...كبديل للثقافة الإستعمارية و قد تبنى الباحث هذه المقاربة لأنه يرى أن شعوب الوطن العربي أو" العالم الثالث " كما إختار تسميتها أو تلخيصها في كونها " نضال الشعوب المستعمرة من أجل سيادتها الوطنية و تحررها القومي " ، فهنا و كأن الباحث يقر بمسلمة مفادها أن الإستعمار ليس سياسيا فقط بل هو يتعدى ذلك بأشواط ، إذ أنه يعد مشروع يهدف لدحر الخصوصية الثقافية للمجتمعات كونه يمس جميع الجوانب السياسية منها و الإقتصادية و السوسيوثقافية ، وقدإستشهد على ذلك من خلال ما قاله الرئيس " أحمد سيكوتوري " " لقد تعلمنا نحن الإفريقيين في مدارس الإستعمار تاريخ فرنسا، و حروب الغال ، و حياة جان دارك و نابليون ،و قرأنا أشعار لامارتين ، و مسرح موليير ، و درسنا التنظيم الإداري لفرنسا كما لو كانت بلادنا أفريقيا من دون تاريخ و دون واقع جغرافي ، و دون أخلاق ..." و قد دعم الباحث هذا القول بل ووضع نفسه كمثال حي للغزو الثقافي الإستعماري ، وأكد على فكرة أن الإستعمار هو مخطط مدروس و غزو منظم و محكم ، حيث تطرق إلى اللغة الفرنسية و مدى إنتشارها في المدارس و الإدارات و الشوارع على حساب اللغة الوطنية و هو ما سماه بـ : " الإغتراب في الماضي " .
و بناءا على كل ما سبق يمكن القول أن الباحث من ناحية المضمون قد نجح في عرض جوانب متعددة و مختلفة لبحثه و تناولها بالتحليل . إلا أن هذا لايمنع أن الباحث قد وقع في بعض الأخطاء من الناحية المنهجية و التي يمكن إجمالها فيمايلي :
العنوان : ما يمكن قوله عن العنوان هو أنه لم يحدد الفترة الزمنية للدراسة بدقة ،فقد إكتفى فقط بتحديد بداية المعالجة البحثية " من الخمسينيات " ، حيث أن الباحث لم يحدد إلى أين تنتهي دراسته ،كما أن العنوان دل على دراسة شاملة لواقع الثقافة العربية إلا أن الباحث ركز بدرجة عالية على دول المغرب العربي و خاصة "المغرب و الجزائر " دون بقية الدول العربية الاخرى ، أي لم يتم في هذه الحالة تحديد لا المدى الزماني للبحث أو المدى المكاني له مما جعل الموضوع يفتقد للدقة و التحديد .
لكن رغم ذلك فما يمكن ملاحظته من خلال العنوان هو أن الباحث خلال صياغته للعنوان قد إختار لغة علمية و ألفاظ في الإختصاص تعبر عن المعنى العلمي و الأكاديمي لموضوع الدراسة ، مبتعدا بذلك عن اللغة الأدبية و المعاني الفلسفية و المصطلحات الفضفاضة و التسويقية و التي غالبا ماتكون موجودة في الإعلام و ذلك لجذب القراء .
المقدمة : في المقدمة لم يطرح الكاتب إشكالية والتي عادة ما تعتبر الدليل الملموس عما سيتم تناوله في البحث ، كما غابت كذلك الأسئلة الفرعية و التي تعتبر هي الأخرى دليلا على الجزئيات و المحاور الرئيسة التي سيتطرق إليها البحث من أجل الإجابة على الإشكالية المركزية ، كما أن المقدمة لم تشتمل على فرضيات التي تقوم عليها الدراسة و التي يتم وضعها بغية إخضاعها للإختبار من حيث إما إثباتها أو نفيها .
العرض : خلال العرض إلتزم الكاتب بعرض مختلف التوجهات التي تعالج موضوع الثقافة العربية ، إذ تمت المعالجة بطريقة علمية تراعي التسلسل المنطقي و العقلاني لكتابة المقال العلمي ، حيث إعتمد الباحث على طريقة العنصرة و الشرح . و قد وظف لذلك مصطلحات متخصصة و مفهومة مبتعدا بذلك عن المصطلحات المعقدة و المعاني المبهمة .
و لقد كانت الأفكار معروضة في شكل فقرات ، حيث كانت كل فقرة مبنية على فكرة معينة ، يتم عرضها بطريقة سلسة و مدعمة بأمثلة من الواقع المعيش ، إذ أنه لم يكن هناك إستطراد ممل و لا إطناب مخل .
كما أن العناوين التي وضعت كمحاور للدراسة كانت ضمن الموضوع المعالج و تعكس جوانب عديدة للبحث ، كون موضوع الثقافة العربية له أبعاد مترامية و تشعبات كثيرة ، إلا أن الباحث نجح في الإلمام بهذه الجوانب حيث أعطى للموضوع الحيز المناسب و القدر الكافي من الدراسة و التحليل ، فغالبا ما كان يضع الباحث نفسه كشاهد على العصر حيث يقول " ... وقفت فيه موقف الشاهد على الرغم منى أنني كنت منفعلا و فاعلا في هذا المشهد منذ بدايته " ، و هذا مازاد من مصداقية الدراسة كونها تنقل القاريء للمقال من الجانب النظري الستاتيكي الجامد إلى الجانب العملي التطبيقي و الديناميكي .
وعليه فالباحث خلال العرض قد قدم معالجة أكاديمية علمية للموضوع إستوفى خلالها جميع الشروط الواجب توفرها في كتابة المقال العلمي ، حيث أنه لم يكتفي بنقل منظوره الشخصي عن موضوع الدراسة رغم أنه صاحب تجربة عملية و خبرة أكاديمية ، فقد إلتزم بعرض الواقع الثقافي العربي و هو موضوع البحث من منطلق دراسات سابقة أيضا ، كما إلتزم بنسب كل معلومة إلى مصدرها من خلال ذكر أسماء الباحثين في ثنايا العرض " المصداقية العلمية " .
الخاتمة : تمثل الخاتمة إجابة عن التساؤلات التي تم طرحها من قبل الباحث ، وغالبا ما يترك فيها مجال البحث مفتوح و ذلك لتغطية جوانب أخرى ضمن الموضوع المدروس ، و ما تمت ملاحظته خلال خاتمة هذا المقال أن الباحث لم يأت على ذكر إستنتاجاته من جراء الدراسة التي قام بها ، بل توجه نحو عرض و تبرير أسباب إختياره و توظيفه للمنهج التاريخي في الدراسة وهذا كان من الأجدر ذكره في المقدمة و ليس الخاتمة ، وعليه فالباحث هنا قد أغفل جزءا مهما من أجزاء البحث و التي تعتبر نقصا فادحا يفقد الدراسة شرطا هاما من شروط البحث العلمي أو كتابة المقالات العلمية ، فالخاتمة تعكس المجهود الحقيقي المبذول من قبل الباحث و مدى قدرته على إستنباط الحقائق و النتائج و كذلك مدى قدرته على فتح جانب جديد في الموضوع من خلال طرح المزيد من التساؤلات حول ما تم دراسته في جوانب لم يتعرض لها بالدراسة و التحليل .
قائمة المراجع :لم يرفق الباحث مقاله في الاخير بقائمة مراجع فقد إكتفى بذكر بعضها في الهامش ،و لقد إعتمد الباحث على مجموعة من المراجع العلمية التي عنيت بدراسة واقع الثقافة العربية و إستدل خلال دراسته بنتائج هذه المراجع ، كما إستدل كذلك بدراسات مفكرين من الغرب لكنه لم يقم بتوثيقها بطريقة أكاديمية فقد إكتفى بذكر أسماء الباحثين خلال المتن فقط .
و ما يمكن قوله على قائمة المراجع المعتمدة في البحث هو أنها قائمة هزيلة ، فبالرغم من أنه إستعان بدراسات باحثين كثر كون موضوع المسألة الثقافية في الوطن العربي يعد من المواضيع التي أسيل حولها الكثير من الحبر و خصصت لها دراسات أكاديمية و علمية كبيرة ، بل و شكلت حاجة بحثية لدى العديد من المؤلفين و الباحثين ، إلا أن الإسهامات الكبيرة لهؤلاء الباحثين لم يتم إسنادها إلى مصادرها مع العلم أن الكاتب ذكر بعض المؤلفات لكنه لم يعرف بأصحابها ، كما أن الكاتب إعتمد على مراجع من تأليفه و قام بتوثيقها .
و جدير بالذكر أن الباحث قد إحترم قواعد النشر المحددة مسبقا من قبل المجلة ، إذ أن المقال إستوفى جميع الشروط المنصوص عليها في الصفحة الخاصة بقواعد النشر في مجلة " الستقبل العربي "
وفي الأخير يمكن القول أن هذا المقال يعد إثراء فكري كبير و ساهم بدرجة كبيرة في إماطة اللثام حول العديد من مواطن الغموض حول موضوع الثقافة العربية و التي تعتبر حقلا خصبا للمعالجة الأكاديمية و البحث العلمي ، ناهيك عن كونه يعد مرجعا مهما يمكن الإستعانة به خاصة في الدراسات الميدانية ، كون الباحث قد ذكر تجربته الميدانية كمشاهد و فاعل داخل الحركة الثقافية العربية .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire